أهلاً وسهلاً بكَ زائرنا الكريم




يسرنا أن نعلن عن حاجتنا إلى مشرفين ومشرفات على شتى أقسام المنتدى

فإذا كانت لديكَ رغبة في الإنضمام إلى طاقمنا الإشرافي والإداري ما عليكَ سوى التسجيل ومراسلة المدير العام



كُل ما تتمناهُ في منتدى واحد
 
البوابةالرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جالتسجيلدخول
يسر بيت المبدعين العرب أن يعلن عن فتح باب الإشراف بالمنتدى على جميع الأقسام ... فمن يرى لديهِ القدرة على رئاسة أحد أقسام المنتدى أن يراسل الإدارة ... معَ خالص التحية
شاطر | 
 

 مذكرات يوسف وهبي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد المعمري
[ المدير العام]


الجنس: ذكر الدولة: بيت المبدعينَ العرب
المهنة: المدير العام
عدد المشاركات: 133
نقاط: 2143
السٌّمعَة: 4
المزاج المزاج: أحمد الله على كلِ الأحوال

مُساهمةموضوع: مذكرات يوسف وهبي   الأحد 16 أغسطس 2009, 13:22

يوسف وهبي : أدمنت الكوكايين


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
"يوسف بك وهبي"



آثر الفنان يوسف وهبي أن يسبغ علي مذكراته من أدائه الفني ، وأضاف إليها كل ما مارسه طوال حياته الفنية من مؤثرات صوتية وتكنيك فني ودراما " فاقعة أحيانا " وكوميديا ساخرة أحيانا ، وقد استحوذت مغامراته العاطفية علي جزء كبير مما جاء في هذه المذكرات التي صدرت في ثلاثة أجزاء ، ولم يمهل القدر الفنان يوسف وهبي لكتابة الجزء الرابع ، وجاءت المذكرات بعنوان " عشت ألف عام – مذكرات عميد المسرح المصري يوسف هبي " والناشر "مطبوعات دار المعارف " بمصر عام 1973 .

ونبدأ مع مذكرات يوسف وهبي التي يقول فيها: يندر أن أهنأ بسبات عميق ، فذكريات الماضي يحلو لها أن تهاجمني في الليل البهيم ، وشريطه السينمائي يعرض في أعماقي طوال الليالي ، فأهب من رقادي مهما كنت مراهقاً ، وإذا تصادف وانتصر علي النعاس ، فعقلي الباطن لا ينام ، بل يظل مستيقظاً ، وكثيراً ما يحدث عندما أعتزم كتابة مسرحية ، ويستعصي علي مخيلتي تنظيم أحداثها ، أن يتطفل عقلي الباطن المستيقظ ويشاركني في تنظيم وقائعها ، إنه كالضيف الثقيل الذي لا تحلو له زيارتي إلا ليلاً فأضطر إلي إضاءة ( الأباجورة ) المجاورة لفراشي ، وأنخرط في الكتابة .

ذات ليلة – منذ بضعة أشهر – سمعت دوياً في أذني ، ثم اهتز سريري ، ففتحت عيني وأنا بين النوم واليقظة فلمحت على أشعة القمر التي تتسرب من نافذة غرفة نومي شبحاً ، وعندما دققت النظر بدا لي الشبح كصورة طبق الأصل مني فارتجفت وهمهمت من أنت ؟ أنا حاضرك ـ حاضري ! وماذا تريد ؟ جئت لأعاتبك على كسلك وإهمالك في تسجيل ماضيك.

نعم أنت محق ، كثيراً ما أمسكت القلم وأنا معتزم أن أكشف عن ماضي ، ومراراً ملأت عنه صفحات ، وفي كل مرة أتوقف ، بل أمزق ما دونت ، لأن تاريخ حياتي يحتاج إلى كل وقتي ، والتفكير فيه يضنيني ويهد كياني .

فرد الشبح : سألازمك من الآن ولن أدعك حتى تنتهي منها .

إنها مسئولية خطيرة ، وأسرار طواها الزمن ويشوبها عدم الاستقرار، إنها مسيرة طويلة وعمرا عشته طولاً وعرضاً ، وكثيراً ما أسأل نفسي ، كيف صمدت بمفردي وبدون عون من أي مخلوق على اجتياز الصعاب التي مرت بي ؟ عشرات السنين بين مد وجزر في قصور فاخرة ، وفي غرفة على السطح يشاركني فيها الدجاج ، رأس مال ضخم ورثته عن أبي وأضعته ثم استردته ثم فقدته دوامة لا تهدأ فقر وغنى ، شظف وترف ، ظلام وبهرة أضواء ، قامرت ، وربحت ، وخسرت، انتصرت وانهزمت ، ولكنني لم أسلم سلاحي ولم أخضع للأقدار ، ولم أغتر بالثراء ، ولم أجزع من الإفلاس العلني وملاحقة " الديانة " ، أعاصير وزوابع ، وحرب ضروس شهرتها على الرجعية والحقد ، مغامرات مع الجنس اللطيف تفوق حد الخيال ، راغبات في خلق علاقات مع ذوي الشهرة ، وفضوليات متعطشات للتذوق والتجربة ، فراشات تغريها الأضواء يتساقطن في أتون النار ، لكنني كثيراً كنت ضحية للمغريات .

ويواصل يوسف وهبي ويتذكر أدق التفاصيل التي مرت بحياته قائلاً : لفقوا لي القصص . اتهموني بأني قناص أصطاد الطير الضعيف ، نهم في المتعة ، حشاش ، سكير ، عربيد ، جعلت من المسرح مصيدة سقطت فيها كثيرات من الضحايا ، والحقيقة كانت عكس ما لفقوه لي ، وما ابتكروه لتحطيم سمعتي . أنا لا أدعي أنني كنت قديساً أو راهباً في محراب ، أو متصوفاً ، أو معصوماً من الخطأ والشهوات ، لكنني ـ كغيري أيام الشباب والفتوة ـ كنت أستجيب أحياناً للإغراء والجمال في شيء من النهم . بيد أنني لم أشرب الخمر ولم أتعاط المخدرات، ولم أرتكب موبقات سوى حبي السابق للقمار الذي سلبني عشرات الألوف .



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أحمد المعمري
[ المدير العام]


الجنس: ذكر الدولة: بيت المبدعينَ العرب
المهنة: المدير العام
عدد المشاركات: 133
نقاط: 2143
السٌّمعَة: 4
المزاج المزاج: أحمد الله على كلِ الأحوال

مُساهمةموضوع: رد: مذكرات يوسف وهبي   الأحد 16 أغسطس 2009, 13:23

منذ كان عمري سبع سنوات بدأ حبي للمسرح ، وتضاعف هذا العشق على مر الأيام وتحول إلى وله ، وأصبحت خشبة المسرح أشبه بامرأة ذبت فيها وجداً ، لكنها كانت وما زالت امرأة متقلبة ، أذاقتني حلوها ومرها ، وبعت نفسي وشبابي لها .

ويتحدث وهبي عن نقد أعماله ومسرحياته ، وما إذا كان بناء أو هدماً ، قال :

معظمه كان معاول هدم وتشويه لجهادي ، بيد أنني لا أنكر فضل بعض الأقلام النزيهة التي ساندتني وأنصفتني . لقد تخرج في مدرستي وعلى يديه المئات ، وكثيرون منهم وصلوا إلى مرتبة النجوم ، ولكن : هل ظلوا أوفياء له ؟

قال : لا ، مع الأسف . إن الوفاء نادر . ومن أخلصوا لي يعدون على الأصابع .

كما سئل عما كتب عن تاريخه وما رأيه فيه ، فقال :

لم يتوخ الحقيقة معظم من تعرضوا لتاريخ المسرح . وأنا أقسمهم إلى فئات : الأولى كانت أشبه بطفل أمسك بدواة حبر " ودلقها " اعتباطاً لمجرد تشويه الصفحات البيضاء ، الفئة الثانية اعتمدوا فيما كتبوا على ما قرءوه في المجلات وكانت بأقلام مغرضة ، ولم ينتبهوا إلى ما كان يسود الجو من حسد وفوضى وسوء نية . ولم يدركوا أن المديح كان يكال فقط لمن يدفع الثمن . والفئة الثالثة لم تدرس التراث على حقيقته ، وخدعت بما قرأت وما سمعت أحياناً بحسن نية . أما الفئة الرابعة فمعظمهم أدعياء هدامون . وأما الفئة الخامسة فقد اهتمت بشئون المسرح في البداية ، وكان نقدها سليماً ، إلا أن أكثراً منهم ترك النقد المسرحي إلى السياسة بعد أن اندس في ميدان النقد بعض المتطفلين .

وقد أشاعوا عني أنني أيام رمسيس كنت أستأجر " فتوات " للاعتداء على النقاد. وأقسم أنني ـ بالرغم من احتقاري لما كنت أقرؤه في الوريقات الصفراء من تجريح قاس ـ لم ألجأ قط إلى هذه الوسيلة الوضيعة التي اتهموني بها . ومراراً هاجمني الصديق الأديب محمد التابعي في الصحف ، وفي الليلة نفسها التي كان ينشر فيها المقالة كنا نقضي معاًَ السهرات الممتعة ، ولم ألمه يوماً أو أعاتبه هو أو غيره من النقاد المحترمين . وكنت أعجب بآرائهم وتوجيهاتهم وأقدرهم . كنت دائماً أقضي الصيف في أوروبا . وكان السماح بالسفر إلى الخارج عسيراً ، لكنه مباح لمن تجاوز الستين . كان عمري وقتها ثمانية وخمسين ، فنصحني بعض الأصدقاء أن أستخرج ( بدل فاقد ) من شهادة ميلادي مضافاً إليها سنتان . نفذت الفكرة ونجحت بفضل الخمس جنيهات التي أتحفت بها الموظف المختص !

أما بيانات يوسف بيك وهبي الشخصية فهي ـ كما قال في سطور مذكراته ـ كالآتي :

ولدت في مدينة الفيوم ،على بحر يوسف الذي سميت باسمه، ووالدي عبد الله باشا وهبي ، ووالدتي شفيقة هانم فهمي . وجدي لأبي هديب قطب من مواليد تونس ، هاجر إلى مصر واستقر في قرية طحا المنيا ، وعاش حتى بلغ المائة وإحدى عشرة سنة ،وجدي لأمي الشيخ علي فهمي البغدادي ، وكان من كبار العلماء ورجال الدين في دمشق وجدتي لأمي مسيحية من جزيرة كريت اعتنقت الإسلام .

و بدأت تعليمي في كتاب العسيلي في الفيوم ، وكان أبي يعمل كمهندس للري ، وهو صاحب مشروع ترعة وهبي بالفيوم التي حولت آلاف الأفدنة الصحراوية إلى أرض زراعية ومازالت هذه الترعة تحمل اسمه إلى اليوم .

وقد تمنيت والدتي رحمها الله أن يرزقها الله فتاة بعد أشقائي الخمسة . فلما ولدتني قررت ألا تقص شعري كسائر الأولاد كي تتخيل أنها ولدت فتاة ، فكانت تعني بتمشيط شعري الطويل . وكم تحملت من سخرية زملائي الطلبة في المدرسة ومعايرتهم .

أما عن هواية التمثيل وكيف اكتشفها يوسف وهبي في حياته ، يقول :

في تلك الليلة ولدت في هوايتي للتمثيل ، عندما ذهبت مع أبي لرؤية العرض الأول لجوقة سليم قراد حي ولم أنم قبل أن أعلق علي عمود في سريري ملاءة بدل الناموسية تمثل ستار المسرح! ليلة لن أنساها ، فقد غيرت مجري حياتي ، كما قررت مصيري ومستقبلي ، فكنت أجمع زملاء المدرسة في منزلنا الكبير الواقع علي شاطئ النيل لنقلد ما شاهدناه من الفنان والرائد الكبير القرداحي الذي جاء ينشر الوعي التمثيلي في أرض النيل ، وبعد سنتين وصلت إلي سوهاج " جوقة " صغيرة باسم فرقة " التشخيص " العربي بطلها ممثل ومطرب اسمه الشيخ أحمد الشامي ، وقدمت عدة مسرحيات منها : روميو وجولييت وشهداء الغرام . فتركت تقليد عطيل إلي تمثيل دور روميو العاشق من دون أن أعرف الألف والباء عن العشق ، ومرة أخري جمعت زملائي لتمثيل روميو وجولييت؛ وتصادف أن كان في تفتيش الري نجار عمل سابقاً كممثل في الفرق الجوالة ثم انتهي به المطاف إلي وظيفة نجار ـ وهي مهنته القديمة ـ بعدما ذاق مرارة الاحتراف بالتمثيل في عهود التخلف . علم فؤاد النجار بهوايتي فأراد (تقرباًَ إلي الحكام !) أن ينال حظوة عند ابن مفتش الري ، فعرض علينا خدماته وخبرته المسرحية البدائية ، وجننت من الفرح عندما أحضر لنا نصوص بعض المسرحيات ومنها روميو وجولييت وشهداء الغرام . غمرتنا الفرحة وبدأنا نوزع الأدوار المسرحية ، وتولي الأسطي فؤاد النجار وظيفة المخرج . وبطبيعة الحال استأثرت بدور البطولة . أما دور جولييت فقد وزعناه علي ابن أحد الأعيان ، وكان من غلاة المتمسكين بالتقاليد وعتاة الرجعيين .

قطعنا شوطاً كبيراً في البروفات لكن من سوء الحظ عرف والد الطالب ممثل الفتاة جولييت أن ابنه يقوم بدور أنثى ، وهو من الذين يعتبرون فن التمثيل رجساً من عمل الشيطان ومهنة الرعاع . فاجأنا الوالد ذات يوم ونحن مندمجون في مشهد غرامي ودخل علينا وأنا أعانق جولييت ( ابنه ) فانهال بهراوته الضخمة على رأسه حتى فقد الولد وعيه ثم سحبه مغمى عليه بدون أن يوجه كلمة إلينا !

وفي اليوم التالي فاجأني المخرج النجار على باب المدرسة ، ومعه صبية صغيرة تحمل كتبها ، وصاح قائلاً : وجدت البطلة . أصابني ذهول تحول إلى فرح عظيم ، وسألتها : " هل تقبلين القيام بدور جولييت " ؟ أجابت : " أنا أفضل رواية شهداء الغرام فقد أعجبتني من فرقة أحمد الشامي " . سألت النجار : " وعائلتها " ؟ أجابت هي بجرأة : " بابا مسافر في مصر وسيغيب ثلاثة أسابيع : " تعرفي تمثلي ؟ "فأجابت بثقة وقد لمعت عيناها الخضراوان وهزت رأسها الذي يتوجه شعر ذهبي متموج : " بكرة تشوف " ! . بدأ المخرج ذو المنشار يلقنها الدور . . أظهرت " برلنتي " قدرة فائقة واندماجاً في الشخصية وموهبة فنية ، وكانت في مشاهد الحب والهيام تبكي بدموع حقيقية ، وتتلوى وتتنهد ويعلو صدرها الصغير ويهبط . كانت برلنتي أكبر من سنها التي لم تزد على عشرة أعوام ، وما إن مضت بضعة أيام حتى جننا بها إعجاباً . وكنت أتلهف إلى مواعيد التدريب الذي كنا نجريه في " العربخانة " . . لألتقي بها وأشبع عيني من حلاوتها وحساسيتها ورقة صوتها وهي تقول : " أحبك يا روميو " ! !

كانت برلنتي تكبرني بعامين ، ولم تكتف بتمثيل الحب والغرام ، بل أضافت من عندها العناقات الحارة الطويلة والقبلات التي ذقت فيها للمرة الأولى سكرة التقاء الشفاه بالشفاه ومتعة الاحتضان ورعشات غامضة ، بالرغم من أنه لم يكن مسموحاً بتبادل القبلات على المسرح في الفرقة المحترفة ـ ولم تكتف برلنتي الجميلة بتمثيل العواطف الحارة في خلال البروفات ، بل كانت عند انصرافها تضغط على يدي ضغطاً شديداً وتتورد وجنتاها البضتان . ذات مرة عند انصرافها دست بين أصابعي ورقة أخفيتها في جيبي ، وما إن أويت إلى غرفتي ، وانفردت بنفسي ، حتى تناولتها بيد مرتعشة وإذا بها كلمة واحدة : " أحبك " . . وإذا بقلبي الصغير يكاد يقفز من صدري ! لم أنم طوال الليل ، واعترتني شبه حمى . تعددت الرسائل الصغيرة المعطرة التي كانت تشعل في ناراً، وجاء اليوم المنتظر ومثلنا المسرحية أمام زملائنا التلاميذ على سطح بيت النجار والمخرج فؤاد . وما أن انتهى التمثيل بنجاح فائق حتى اندفعت برلنتي في غرفة بالسطح وأطبقت بذراعيها على عنقي وطبعت على شفتي قبلة كاد يتعطل من حرارتها نبض قلبي ، وجرت والدموع على خديها مسرعة بعدما دست في يدي سلسلة رفيعة من الذهب فيها قلب صغير بداخله صورة لطفلة جميلة لا شك أنها لها في سن الرضاعة ، فأسرعت بإخفائها داخل منبه بجوار فراشي . هل من المعقول أن يعشق صبي وهو في التاسعة من عمره ؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أحمد المعمري
[ المدير العام]


الجنس: ذكر الدولة: بيت المبدعينَ العرب
المهنة: المدير العام
عدد المشاركات: 133
نقاط: 2143
السٌّمعَة: 4
المزاج المزاج: أحمد الله على كلِ الأحوال

مُساهمةموضوع: رد: مذكرات يوسف وهبي   الأحد 16 أغسطس 2009, 13:25

ويحدثنا عن بداية رحلته إلى القاهرة فيكمل :

نُقل أبي إلى القاهرة ليعمل كمفتش عموم الري ، ونال سكناً مؤقتاً بمنزل في شارع الهدارة بعابدين ، وهناك التقيت بزميل الطفولة محمد كريم ، وكان من هواة مشاهدة السينما ، وفي منزله خصص غرفة غطى حيطانها بصور من إعلانات سينما إيديال القديمة ، وبطلات الأفلام الصامتة أمثال فرانشيسكا برنتيني ، وماريا ميلانو، وغيرهما . وبدأت هوايتنا لأفلام السينما ومغامرات نقولا كارتر ، وجون سنكلر ، ودفعتنا هذه الهواية إلى قراءة كل ما ينشر في الكتيبات من القصص البوليسية ، وكنا نرتاد داري سينما إيديال وأوليمبيا بشارع عبد العزيز عدة مرات خلال كل أسبوع ، وقد كان سعر تذكرة الدخول قرشاً صاغاً واحداً . وساعدتني أسفار أبي الكثيرة للتفتيش على مصالح الري في الوجهين البحري والقبلي على إطلاق حريتي في التغيب عن المنزل .

وانتقلت أسرتي إلى منزل كبير بحي المنيرة ، والتحقت بمدرسة الناصرية ـ مدرسة أبناء الذوات في ذاك العهد ـ إلا أن صلتي بكريم لم تنقطع ، وكنا كلما سنحت الفرصة نهرع إلى دور السينما وأهمها الكوزموجراف الأمريكاني ، ( ومكانه سوق القاهرة الآن بشارع عماد الدين ) ، وكانت معظم الأفلام لا تزيد فترة عرضها عن عشرة دقائق وخمس عشرة دقيقة ، والبرنامج يحوي من ثمانية إلى عشرة أفلام قصيرة بين فكاهية لماكس ليندر ، وتوتو ، وماكسينيت ، أو درامية مثيرة ، ثم تطورت هوايتها إلى مشاهدة المسرحيات بدار التمثيل العربي ، وحضرت لأول مرة ، فرقة رائد الغناء المسرحي سلامة حجازي ، ومنها عايدة ، وعظمة الملوك ، وتليماك ، فبهرت بالتمثيل والغناء والمناظر ، وتضاعف شغفي بالفن فانضممت أنا وكريم إلى فرق الهواة المسرحية ، ومثلت لأول مرة على المسرح مع فرقة الفنان حسن شريف رواية " الشرف المغتصب " وقمت بدور رجل عجوز عمره 70 عاماً !

نلت الشهادة الابتدائية ، وانتقلت إلى مدرسة السعيدية الثانوية حيث كان لقائي الأول بمختار عثمان ، الذي أصبح فيما بعد من أئمة الكوميديا بمسرح رمسيس وعزيز أباظة ( الشاعر الفحل ) ومحمد صدقي ، الذي قاد فيما بعد أول طائرة مصرية من أوروبا إلى مصر ، وعبد الله فكري أباظة ، وعشرات غيرهم ممن أصبحوا فيما بعد من قادة الفكر والرأي . وبدأت نشاطي الفني في المدرسة السعيدية . وابتكرت المنولوجات التي كنت أؤلف أسماء لها وأضع ألحانها .

دوام البطل عبد الرحيم المصري على تدريبي ، وأولعت بالرياضة ولوعي بالتمثيل ، وخصصت يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع بمواصلة هوايتي للمصارعة وحمل الأثقال ، وتوطدت صداقتي ـ برغم فارق السن ـ بأعضاء " نادي أنصار القوة " . وكنت أجتمع بهم ، ومعي صديق الصبا مختار عثمان ، عند حلواني ملاصق لمسرح الكورسال ( محلات داود عدس الآن ) . وكان من زبائن الحلواني الكثيرون من فناني وفنانات شارع عماد الدين . وتعرفت هناك على استيفان روستي ويوسف الريحاني شقيق المرحوم نجيب الريحاني . وكان استيفان شاباً جميلاً ممشوق القد أطلقوا عليه " دون جوان " وكانت الأرتستات الأجنبيات يتنافسن على اجتذابه والاستئثار به . واستيفان من مواليد القاهرة من أم إيطالية ، ووالده كان باروناً نمساوياً . وكان أحد أفراد فرقة نجيب الريحاني الذي كان يعمل على المسرح الآبي دي روز ويتقاضى مرتباً قدره ثلاثون جنيهاً من صاحب المسرح .



ويحكي يوسف وهبي عن بعض مغامراته مع أصدقائه قائلاً : كانت لعبة الثلاث ورقات نوعاً من المقامرة يقوم بها حول سور الأزبكية عصابات تغري المارة بتجربة حظهم ، ويتظاهرون بأنهم من هواة المقامرة . كنت أصاحب بطل المصارعة الأستاذ عبد الحليم ، ومعنا بطل معروف عملاق اسمه فايق خيري ، فلفتت أنظارنا اللعبة ، وما يجنيه المتظاهرون بالمقامرة من ربح أكيد، وحرضونا على انتهاز الفرصة مثلهم ، ولم نكن ندرك أنهم يتظاهرون باللعب وأنهم يكونون عصابة .

وأرشدونا إلى تخمين موضع الصنيورة من بين الثلاث ورقات ، ووضع فايق خيري ريالاً فربح ، ووضعت أنا عشرة قروش فربحت أيضاً ، فأغري هذا عبد الحليم فوضح جنيهاً خسره . واستمرت المقامرة حتى استولوا على كل ما كان في جيوبنا وكانت في مجموعها حوالي الخمسة جنيهات . .

فزمجر فايق خيري . . وصاح قائلاً : ـ دول خدوا فلوسنا . . دول عصابة التلات ورقات . . هاتوا فلوسنا يا حرامية . . وانقض على زعيمهم يحاول استرداد ما خسرناه ، وإذا بأعوان الزعيم الذين كانوا يتظاهرون بالربح ينقضون على فايق خيري ، وقامت المعركة وإذا بأعضاء العصابة يقذفون في الهواء ، وكيل لهم الضرب والركل الموجع وانقلبت الآية ، وأطلقوا سيقانهم للريح وهم يصيحون يا بوليس!

ذات ليلة قدمني الصديق استيفان روستي إلي فنانة يونانية تدعي " ببا" وعرفت منه أن أولاد الذوات يتنافسون علي اكتساب ودها ، ويغدقون عليها الهدايا والحلي والجواهر ، وبهرني جمالها ، وكانت سمراء ، خضراء العينين ، وأصاب كيوبيد قلبينا بسهم واحد منذ أول لقاء ، وكانت تكبرني بخمس سنوات علي الأقل وتفيض منها أنوثة صارخة ، وتهت إعجابا بنفسي لتفضيلها إياي أنا المفلس علي أصحاب الثروات الضخمة ، وكنت أنتظر انتهاءها من عملها علي مسرح الكورسال كل ليلة لقضاء سويعات هناءة في عش غرامها ، وفي إحدي الليالي وأنا قابع بقهوة " البوديجا " المجاورة للمسرح ، فوجئت بثلاث " فتوات " من الأجانب الأشرار يتحرشون بي ، فأدركت علي التو أنهم محرضون لإيذائي ، فتظاهرت بعدم الاهتمام ، وإذا بأحدهم يتقدم من مائدتي، ويعالجني بضربة علي طربوشي ، ثم قلب المائدة عليّ فسقطت أرضا ، وبرغم اكتظاظ القهوة بالزبائن لم يتقدم واحد منهم لنجدتي ، هببت واقفاً وحملت مقعدي لأكيل لهم الصاع صاعين ، إلا أن ثلاثتهم "تملكوا" مني وأشبعوني لطماً ، وبينما أنا رازح تحت صفعاتهم ولكماتهم ، ظهر فجأة وبمحض الصدفة البطل المصارع عبد الحليم المصري ومعه العملاق فايق خيري وصرخ فايق : " الخوجات بيضربوا يوسف " ، وفي ثوان فر المعتدون، ولكني اكتشفت بعد ذلك أن الحسناء ببا عز الدين كانت من المدمنات علي الكوكايين موضة ذلك العصر.

حاولت ببا أن تشركني معها في تعاطي هذا السم الأبيض ، وحاولت مجاراتها ، وكانت عندما تتناول بضع تنشيقات تجحظ عيناها وتتحول إلي خرساء فاتحة فاها ثم تغيب عن الوعي ، وباستمرار هذه الحالة اعتراني السهاد ولم تتقبل طبيعتي هذا السم فأقلعت عنه وعنها .

عثرت عليّ في حلواني الغانية " ببا " وأنا أجالس الزميل مختار عثمان ، ولما حاولت اختلاق المعاذير لانقطاعي عنها وحطمت علي وجهي كوبا من الزجاج أصابني بجرح كبير ولولا ستر الله لفقأت لي عينا ، ولما عرف أستاذي عبد الحليم بما حدث قادني قسرا إلي قسم البوليس في الأزبكية للتبليغ ضدها ، وإذا بنا نكتشف أن أحد عشاقها سبقنا ببلاغ اتهمها فيه بسرقة مبلغ 500 جنيه من جيب سترته في أثناء قضاء ليلة في مسكنها ، واكتشفنا أن لها سجلا حافلا ، ولم تمض أيام حتى رحلتها القنصلية اليونانية من مصر .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بو خالد
[ مشرف قسم ]


الجنس: ذكر عدد المشاركات: 109
نقاط: 2085
السٌّمعَة: 2

مُساهمةموضوع: رد: مذكرات يوسف وهبي   السبت 29 أغسطس 2009, 21:09

مشكور اخوي على الموضوع
معلومات ماكنا نعرفها من قبل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

مذكرات يوسف وهبي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 ::  :: -